الإشاعة والنقد الهدام
ألأب جبرائيل شمامي
كان في قديم الزمان كاهن غيور يخدم في ضيعة بكل تقوى ومخافة الرب. جاءت اليه يوما إمرأة تعترف له بخطاياها قائلة :” يا ابانا سامحني لقد تكلمت بالسوء عنك ” فأجابها الكاهن الغيور :” الله يسامحك يا إبنتي ” واراد ان يعلمها درسا لن تنساه الى الأبد فقال لها إن قانون إعترافك هو :” هل لك وسادة من الريش “قالت :” نعم ” قال لها :” أنثري ريش تلك الوسادة في ازقة القرية وإرجعي لأرى ما فعلت ” وبعد ايام رجعت . فقال لها الكاهن :” ألآن إذهبي وإجمعي الريش كله من الأزقة ” فقالت :” كيف ذلك !! يا ابانا فالريح قد نثر الريش في كل مكان ولا اقدر ان اجمعه ” فقال لها انت قد اسأت الى سمعتي لدى الناس هل تستطيعين إصلاح ذلك ؟ ” فأحنت راسها حياء وتابت عن فعلتها ولم تعد تتكلم بالسوء عن أي شخص .
قال احدهم :” ما اطيب الكلام عن الناس” وقال آخر إذا لا نتكلم عن الآخرين فبماذا نتكلم ؟” ولكن اقول من انت حتى تدين الآخرين وتعلك بسيرة الناس، وهل ترضى أن يتكلم الناس عنك بالسوء، أعلم جوابك مسبقا وهو “لا أرغب” إذاً طبق القاعدة الذهبية التي تقول ” إعمل للناس ما تريد ان يعمله الناس لك”.
عادة سيئة تلوث مجتمعاتنا وتسيئ الى علاقاتنا الأجتماعية والأنسانية ، وهي الميل الى تلويث سمعة الآخرين ورؤية نواقصهم وتضخيمها ومد إصبع الأتهام الى الآخر.
هناك من في طبعه روح الإنتقاد الهدام وهذا طبعا يتأتي من تبرير الذات . إذا كان بيتك من زجاج فهل من المعقول ان ترشق بيوت الآخرين بالحجارة. هل من المعقول أن يطلق المرء الإشاعات ضد الآخرين وهو مليء بالنواقص والهفوات . كيف يرى المرء عيوب أخيه ويبالغ في سردها ووصفها وهو نفسه مليء بالعيوب . وكما يقول المسيح : ” لماذا تنظر الى القشة في عين اخيك ولا تبالي بالخشبة في عينك ، بل كيف تقول لأخيك : دعني أخرج القشة من عينك وها هي الخشبة في عينك انت ؟ يا مرائي أخرج الخشبة من عينك أولا حتى تبصر جيدا فتخرج القشة من عين اخيك” لوقا 7 : 1- 5
وهل يعلم من يطلق الإشاعات على الناس ويفتري عليهم إنه يقترف جريمة ؟ وإن لا يعاقب عليها القانون ،إذ من المحتمل أن تقتل إنسانا عندما تسيء الى سمعته وتطعن به وتلوث سمعة شرفه ، ومع الأسف الشديد كثيرون ومنهم من وصلوا الى درجات ومناصب عليا يلتجؤون الى هذه الوسيلة الدنيئة، عندما يريدون ان ينتقموا من شخص لا يجاريهم او لا يؤيدهم او ليس مواليا لهم في مخططاتهم ومصالحم الشخصية والعنصرية والفئوية ، فيقومون بتلويث سمعته وأخلاقه والطعن في شرفه وهو بريء منها تماما . لهؤلاء أقول أتقوا الله وخافوه وأذكرهم بكلام مار يعقوب وهو يقول :” لا يتكلم بعضكم على بعض بالسوء أيها الأخوة لأن من يتكلم بالسوء على أخيه أو يدين أخاه يتكلم بالسوء على الشريعة ويدين الشريعة . وإذا كنت تدين الشريعة فما أنت عامل بها بل ديان لها . هناك مشترع واحد وديان واحد وهو الذي يقدر أن يخلص وأن يهلك، فمن تكون انت لتدين قريبك ؟” يع 4:11 - 12
ليس لنا الحق أن ندين الآخرين لأننا نجهل ما في القلوب وما في النيات ، ولا نملك الحقيقة كلها . لندع الدينونة لله فقط ولا نتدخل في شؤون ليس لنا الحق التدخل فيها .
ومن جهة أخرى فكر من الذي تدينه او تطلق الأشاعة ضده ، اليس هو اخوك في المسيح والمسيح مات من اجله ايضا ، اليس هو قريبك او جيرانك او زميل لك اليس هو أنسان مثلك ، بدل ان تحاربه وتكسر في سمعته اليس من الأفضل ان تتضامن معه وتدافع عنه وتمدحه في كل ما هو جميل فيه ، وتمنع كل من يفتري عليه ويسىء الى سمعته . تذكر موقف يسوع من الزانية عندما قال لراجميها:” من منكم بلا خطيئة فليرمها بأول حجر ” يو 8: 7 وقال ايضا:” وانا لا أحكم عليك إذهبي ولا تخطئي بعد الآن ” يو 8: 11 موقف إلهي وإنساني معا إنه موقف الأبطال والمدافعين عن المستضعفين والمظلومين ، لا هو يدينها ولا يقبل ان يدينها أحد، بل يعطيها فرصة أخرى لتحيا وتتوب .
أيها القارىء العزيز أحذرك من صاحب اللسان المنتقد فإنه يستمد أوامره:
1- من العين الغير المدربة على رؤية الخير والجمال في الآخرين .
2- من العقل الجامد الذي لا يفكر بل يطلق الأحكام جزافا على هذا وذاك ، ولا يعمل بالمثل االشعبي القائل :
“دور لسانك في فمك سبع مرات قبل ان تتكلم “
3- من القلب الجاحد الذي لا يريد الخير للآخرين إذ ليس فيه روح الله ولا محبة الله ،
فهو بعيد عن الأيمان لا يعمل بكلام الله وليس فيه محبة القريب .
أما انت أيها القارىء العزيز ، إذا لدغتك الإشاعة فلا تفقد اعصابك وتنزل الى مستوى من فعلها وترد الصاع صاعين ، بل أنصحك أن تتماسك قواك وتعلو باخلاقك النبيلة وتصبر ولا تبالي بما قيل عنك كذبا .
إرم الأشاعة جانبا وكن على علم أن من يطلق الأشاعات شخص تاف ضعيف لا تعيره إنتباهك ، يعمل هذا لأنه يشعر بالنقص ، ومن المحتمل أن يكون العيب فيه ، ولكي لا ينتبه الناس اليه فيمد أصبع الإتهام الى الآخرين . كن واثقا من نفسك وصادقا ونزيها في ما تعمل ، وإعلم أن الإشاعة كالطين الملقى على حائط نظيف قد لا يلتصق به.
إذا انتقدت احدا فليكن نقدك بناء . وليكن اسلوبك في النقد جميلا ولطيفا.
واذا انتقدك احد وكان انتقاده في مكانه فاقبله بكل تواضع ومحبة .
أهمل كل إشاعة سيئة تسمعا .
صل من أجل من اطلق الأشاعة الكاذبة ليهديه الله .
لا تؤمن بنصف ما تسمعه .
لا تكرر نصف الذي تؤمن به .
إحذر من أنصاف الحقائق فقد تحصل على النصف الخاطىء .
تأكد قبل ان تطلق أي حكم .
ليكن معلوما لديك أن اكثر ألإشاعات أمور سطحية قد تعمم بسهولة .
اعلم ان هناك من يصنع من الحبة قبة .
إن صاحب النقد الهدام والإشاعة المغرضة لا يتقدم ولا يرتفع الى العلى لأنه بإستمرار ينزل الآخرين الى أسفل .
أما انت ايها القاريء الكريم إعمل بمبادئك وأخلاقك وتحاشى الأشاعة والنقد الهدام وإعمل بوصية السيد المسيح :”أحبو بعضكم بعضا كما أنا احببتكم ”
ألأب جبرائيل شمامي