الجمال الحقيقي
الأب جبرائيل شمامي
لستُ أدري من أين أبدأ فأبواب الجمال واسعة، وأوسعها باب جمال الله..
قال شكسبير” الجمال قبَس من نورالله”. “السماوات تنطق بمجد الرب ، والفلك يُخبر بعمل يدَيه .كلام الرب طاهر ثابت إلى الأبد وأحكامه حق وصدق وحدها، أشهى من الذهب والأبريز الكثير وأحلى من العسل وقطر الشهاد ” مز :19 . “ذوقوا تروا ما أطيب الرب هنيئاً لمَن يحتمي به” .مز34 “يُخبرون ببهاء مجد جلالِك” مز145 :5 . وعلى جبل التجلِّي يسوع “تجلَّى بمشهدٍ منهم فأشرق وجهُه كالشمس وصارت ثيابُه بيضاء كالنور”متى 17 :2 الله جميل و خالق الجمال وأعماله كلها جميلة ورائعة ، والجمال نعمة وهبة من الله للبشر ، وهو من ثمار الإيمان ، وعلى المؤمن أنْ يتدرب يومياً لمشاهدة الجمال في كل شيء ، ثم يرتقي من الخليقة إلى الخالق ليمجِّد الله . كثيراً ما لا ننتبه إلى ما حولنا، ولا نفتح عيون الإيمان لنَرَ عجائب الله في مخلوقاته، فنندهش أمام حُسنها وجمالها ودقة تركيبها وروعة ترتيبها ومنظرها.. عندما خلق الله السماوات والأرض وما فيهما ” نظر الله إلى كل ما صنعه فرأى أنه حسن جداً” تك 1: 31 هوذا عيون الله ترى الحُسن والجمال فيمدحه ويرتاح له ويرضى به.
ما هو الجمال
قال جبران خليل جبران: ” قد تباين الناس بتعريفه ومعرفته مثلما إختلفوا بتمجيده ومحبته … هو ما كان بنفسك جاذِب اليه ،هو ما تراه وتودّ أن تعطي لا أن تأخذ ، هو ما شعرتَ عند ملقاه بأيدٍ ممدودة من أعماقك لضمِّه إلى أعماقك ،… هو أُلفة بين الحزن والفرح،…هو قوة تبتدىء في قدس أقداس ذاتك وتنتهي في ما وراء تخيُّلاتك …إن الجمال نصيب المتألمين…
إصغوا لأنغام الطيور ، وحفيف الأغصان، وخرير الجدول، إن الجمال قسمة السامعين .أنظروا وداعة الطفل ، وظُرف الشاب ، وقوة الكهل ، وحكمة الشيخ ، إن الجمال فتنة الناظرين.”
عندما جُعل أحد الفلاسفة بين خيارَي الجمال والحقيقة إختار الجمال لقناعته أن الجمال يحمل في ذاته حقيقة أرفع من الحقيقة ذاتها .
الجمال هو كل ما يحلو للعين والسمع ويستمتع به العقل والقلب من منظر
وإبداع وتنسيق وتركيب واختراع وعمل إنسان ، يقف الإنسان أمامه مبهوراً مندهشاً . فنرى الجمال في مناظر الطبيعة الخلاّبة ، في الخضار والأزهار الربيعية، في ألوان الأوراق الخريفية ، في الثلوج على الأشجار والجبال في المواسم الشتوية . نراه في الطيور والأسماك والفراشات الملونة ، نراه في أصغر المخلوقات وأكبرها ، نراه في الألوان الزاهية التي هي زينة العيون وبهجة النفوس .
هناك جمال في الفَن بمختلف فروعه:
الرسم : عندما نرى تلك الوحات الجميلة والأيقونات البديعة ترتاح لها عيوننا وقلوبنا فننذهل أمام مواضيعها وتناسق ألوانها فتخطفنا إلى تأملٍ عميق ممتع.
العزف: عندما يُبدع أهل الموسيقى وقد تطوَّر فنُّهم وتقدم مرحلة كبيرة نرى ذلك في السمفونيات الشهيرة ، والتي تحلِّق بنا إلى عالم الجمال والروعة .
الغناء: كل الأصوات الجميلة الملائكية التي تشجينا وتطربنا وترفع بنا الى العلى .
الكتابة : وكم من مقالة نثرٍ وقصيدة شِعرٍ نقف أمامها متعجبين من جمالها وحسن كتابتها ومعناها : وهاكم بعض الأبيات من شعر جبران خليل . بعد قراءتها ستقول :” ألله ما أجملها”
أعطني الناي وغنّ فالغنا سر الوجــود
وأنين الناي يبقى بعد أن يَفنى الوجود
هل إتخذت الغاب مثلي منزلاً دون القصور
فتتبعت السواقي وتسلقت الصخور
هل تحمَّمت بعطرٍ وتنشَّفت بنــور
وشربت الفجر خمراً في كؤوس من أثير
هل جلست العصرَ مثلي بين جفنات العنب
والعـناقيدُ تدلَّـت كثُريات الذهب
هل فرشتَ العشب ليلا وتلحَّفتَ الفضاء
زاهداً في ما سيأتي ناسياً ما قد مضى
إن أسمى درجات الجمال تكمُن في الروح والنفس والقلب والعقل ، فالجمال الحقيقي ينبعث من قدس أقداس النفس ليعطِّر حياة الإنسان بعطر الفضائل والخِصال الحميدة . الجمال الحقيقي هو ذلك التوازن الذي ينبع من الداخل وينعكس على المظهر الخارجي .
فجمال المؤمن يكمن في عطر إيمانه الفوَّاح وطيبة قلبه المليء بروح الله وتقواه وحياته المزينة بالفضائل والأخلاق المسيحية. يقول القديس جان ماري فيانيه “النفس المتحدة بالله ربيع دائم”
فأجمل مخلوق في عيني الطفل هو أمُّه لايهتم بثيابها أو تسريحة شعرها أو حُسنها. فهو يعرف أين يكمُن جمال أمِّه الحقيقي . يكمن في العيون التي تلمع بفخر عندما يحقق أي تقدم أو نجاح ، وفي الفم الذي يشجعه ويثق به، وفي القبلات التي تشفي آلامه ، وفي الصوت العذب الذي يهدّؤه بعد حلم مزعج ، وفي العناق الحنون على صدر أمه ، جمالها الحقيقي هو في التضحية وبذل الذات حباً له عندما يراها ساهرة عليه في مرضه ، عندما تُرضعه عند جوعه وعطشه ، هذه هي هبة الذات وهبة الذات تنتج النعمة ومن النعمة ينبع الجمال الحقيقي . عندما تهب الأم ذاتها لطفلها فهي تحصد الحياة والمحبة والنقاء ، وهي بذلك تعطي الحب الذي يحمله الرب لأولادها . لذلك أعتقد أن لا شيء في العالم يجعل المرأة جميلة مثل الأمومة . يقول الكتاب المقدس :
“المرأة الفاضلة من يجدها ، ثمنُها يفوق اللآلىء – العز والبهاء لباسها – تضحك على الزمن الآتي – تفتح فمها بالحكمة وفي لسانها سنّة المعروف – يقوم أولادها ويطيعونها , زوجها أيضاً يمدحها.
الحسن غضّ والجمال باطل – أما المرأة المتَّقية الرب فهي تمدح (أمثال 31: 10 , 25- 26 , 28- 30)
اليوم ومع الأسف الشديد قد تهافت ملايين البشر من كلا الجنسين خصوصاً النساء إلى مواصفات جمالية شبيهة بالسُلع المعروضة على شاشات التلفزيون وفي وسائل الأعلام ، ولكن ليعلم الجميع أنَّ المئات اللواتي دخلن مسابقات الجمال أُخضعن لمشارط الجرَّاحين وعمليات التجميل ..
المرأة مطلوب منها أن تسعَ وراء الجمال الحقيقي وهو أن تتمسك بأهداب الفضيلة والقداسة وتطلب العلم من مَعين المعرفة الذي لا ينضب . لتُصبح أُمّاً تربِّي أجيالاً وتُصبح زوجة صالحة أو سيدة تبني مجتمعها ..
سُئِلت إمرأة ما سر جمالها؟ قالت:
إذا أردتِ أن يكون لكِ شفايف جميلة ، فلا تتلفَّظي إلاّ بكلمات لطيفة .
إذا أردتِ عيوناً جميلة / فلا تنظري إلاّ إلى ما هو جميل في الآخرين .
إذا اردتِ أن يكون لكِ شعرٌ سرِحٌ رائع الجمال ، فاسمحي لطفل أن يداعبه ولو مرة في النهار .
إذا اردتِ أن تحافظي على العلاقات ، فلا تترددي في إقتسام خبزك مع الجياع والمساكين .
جمال المرأة الحقيقي ليس في الملبس ولا في الشعر بل في العيون ، والعيون مرآة النفس ، والنفس عرش الحب .
جمال المرأة الحقيقي المتأصِّل في النفس يكبر مع العمر.
جمال المرأة الحقيقي يكمُن في نفسها ولُطفها وحنانها .
أنتِ يا سيدتي فريدة في عيون الله ، يُحبك كما أنتِ .. وفي عينيه أنت رائعة .
الجمال الحقيقي هو السعي إلى الوصول إلى هدف سامٍ ، هو السعي إلى جعل علاقتكم جيدة مع الله فتكون لديكم صورة أفضل عن أنفسكم ،إذ كلما إقتربتم من الرب تشعرون بسلام وسعادة معه فتكونون رائعي الجمال في قناعاتكم ، حينذاك ينبعث منكم نور الله ومحبته ، هذا هو الجمال الداخلي الذي عليكم السعي لتحقيقه لتعيشوا في إيمان وسلام وراحة .
هل تعلموا من هم الناس الأكثر سعادة: هم الذين قبلوا بوضعهم كما خلقه الله ، الرب يحبكم كما صنعكم وانتم رائعون في عينيه لأنكم مميزون ، لا يرى فيكم إلا الحُسن والجمال لأنكم كاملين في نظره .
وإذا صلَّيتِ فكذا صلِّ :”إلهي كنت قادراً أن تخلقني كاملاً في نظري وفي عيون الآخرين. ولكن قررتَ غير ذلك ، في النهاية جعلتني كما أردتَ أن اكون ، كاملاً بحسب نظرتك أنت . إذا شككتُ في هذا فأشك في حبك . ولكن إذا قبلتُ سرَّ هذه الحقيقة ، أجد سلاماً داخلياً وأماناً وإخلاصاً في حبِّكَ .
يا إلهي خُذني من الآن إلى عمق قلبك
هناك سوف أجد الجمال والروعة آمين .
الأب جبرائيل شمامي
Jibraelshamami@yahoo.com
Add A Comment